سيد محمد طنطاوي

49

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( لَطَمَسْنا ) * الطمس إزالة أثر الشيء عن طريق محوه . يقال : طمست الشيء طمسا - من باب ضرب - بمعنى محوته وأزلت أثره ، والمطموس والطميس الأعمى . ومفعول المشيئة محذوف . والصراط : الطريق وهو منصوب بنزع الخافض . أي : ولو نشاء طمس أعينهم بأن نمحو عنها الرؤية والإبصار لفعلنا ، ولكنا لم نفعل بهم ذلك فضلا منا عليهم ، ورحمة بهم ، فكان من الواجب عليهم أن يقابلوا نعمنا بالشكر لا بالكفر . وقوله - سبحانه - : * ( فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ) * معطوف على * ( لَطَمَسْنا ) * على سبيل الفرض . أي : لو نشاء محو أبصارهم لمحوناها ، فلو أرادوا في تلك الحالة المبادرة إلى الطريق ليسيروا فيه ، أو ليعبروه لما استطاعوا ذلك . لأنهم كيف يستطيعون ذلك وهم لا يبصرون شيئا . فالاستفهام في قوله - تعالى - : * ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) * لاستبعاد اجتيازهم الطريق ، ونفى قدرتهم على التصرف . وقوله - سبحانه - : * ( ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ ، فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ ) * والمسخ : تبديل الخلقة وتحويلها من حال إلى حال ، ومن هيئة إلى هيئة . أي : وفي قدرتنا إذا شئنا ، أن نغير صورهم الإنسانية إلى صور أخرى قبيحة ، كأن نحولهم إلى قردة أو حيوانات وهم * ( عَلى مَكانَتِهِمْ ) * أي : وهم في مكانهم الذي يقيمون فيه * ( فَمَا اسْتَطاعُوا ) * بسبب هذا المسخ * ( مُضِيًّا ) * أي : ذهابا إلى مقاصدهم * ( ولا يَرْجِعُونَ ) * أي : ولما استطاعوا - أيضا - إذا ذهبوا أن يرجعوا . أي : في إمكاننا أن نمسخهم وهم جالسون في أماكنهم ، فلا يقدرون أن يمضوا إلى الأمام ، أو أن يعودوا إلى الخلف . فالمقصود بالآيتين الكريمتين تهديدهم على استمرارهم في كفرهم ، وبيان أنهم تحت قدرة اللَّه - تعالى - وفي قبضته ، وأنه - سبحانه - قادر على أن يفعل بهم ما يشاء من طمس للأبصار ، ومن مسخ للصور ، ومن غير ذلك مما يريده - تعالى - . ثم بين - سبحانه - أحوال الإنسان عندما يتقدم به العمر فقال : * ( ومَنْ نُعَمِّرْه نُنَكِّسْه فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) * . وقوله : * ( نُعَمِّرْه ) * من التعمير ، بمعنى إطالة العمر . قال القرطبي : وقوله : * ( نُنَكِّسْه ) * قرأه عاصم وحمزة - بضم النون الأولى وتشديد